علي الهجويري

257

كشف المحجوب

سمعت سيدنا أبا القاسم القشيري يقول : سألت الطبراني عن ابتداء حاله ، فقال لي : احتجت إلى حجر في قاع نهر سرخس ، فتحول كل حجر ألمسه إلى لؤلؤ ، فرميتها جميعا بعيدا عنى ؛ هذا لأن الحجارة واللؤلؤ سيان عندي ، أو لأن اللؤلؤ أقل قيمة عندي من الحجر ، وذلك لعدم احتياجى له . وقد سمت أن الإمام الخزامى قال بسرخس ذهبت في طفولتى إلى حي من أحياء باغستان . لإحضار أوراق التوت لدودة القز ، فلما انتصف النهار تسلقت شجرة ، وهززت أفرعها ، وبينما كنت مشتغلا بذلك مر على أبو الفضل بن الحسن ، لكنه لم يرني ، ولم أشك أنه كان غائبا في نفسه ، وأن قلبه كان مع ربه ، فرفع رأسه على حين فجاة ، وصرخ بحرقة قائلا : يا رب لقد مضت على أكثر من سنة ولم تعطني دانقا حتى أقص شعري ، أفبهذا تعامل أحبابك ؟ فما إن نطق بها حتى رأيت أوراق الشجر وفروعها وجذورها انقلبت ذهبا . فقال أبو الفضل : ما أعجبك ! تسرع في إجابة من سألك لتخلص بلد لك . يروى أن الشبلي رمى أربعة آلاف دينار في نهر دجلة ، فلما سئل : ما ذا يصنع ؟ قال الحجارة أولى بالماء فسئل : لماذا لا تعطيها الفقراء ؟ فقال سبحان اللّه ما ذا أقول له إذا سألني : لماذا رفعت الحجاب عن قلبي ووضعته في قلوب إخواني المسلمين ، فإنه ليس من الدين أن تنسى لأخيك أقل مما تتمناه لنفسك . كل هذه الأحوال متعلقة بأحوال السكر التي بينتها ، ومرادي هنا إثبات الكرامات . أما الجنيد وأبو العباس السياري وأبو بكر الواسطي ومحمد بن علي الترمذي ، صاحب هذا المذهب ، فتمسكوا بأن الكرامة تظهر في حالة صحو الولي وتمكينه ، لا في حال سكره وغلبته ، وهم يبرهنون على ذلك بأن أولياء اللّه تعالى هم القابضون على مملكته ، والمنظمون للمجموعة التي جعلها اللّه تعالى تحت تصرفهم ، بذلك لزم أن تكون أحكامهم أكمل الأحكام ، وقلوبهم أشفق من كل قلوب الناس لأنهم قد كملت حالهم ، وحيث أن الاضطراب والغلبة علامة على قلة الخبرة ، فالاضطراب مع كمال الحال ينقلب إلى سكون ، ولا يكون الولي وليا في الحقيقة إلا بذلك ، بل ولا تكون الكرامة كرامة حقا إلا بعد ذلك .